السبت، سبتمبر 05، 2015

ظاهرة «تقديس» المرشد الأعلى في إيران المعجبون والتزلفون جعلوه فوق مستوي البشر


تعيش إيران والدول الدائرة في فلكها والخاضعة لنفوذها، هذه الأيام، حمى تبجيل «المرشد الأعلى» علي خامنئي بصورة غير مسبوقة تضفي على شخصه هالة من «التقديس». والملاحظ أن الدوائر القريبة منه لم تكتف بالانشغال في بناء هذه الهالة الاستثنائية، بل نسج على منوالها أتباع نظام طهران في المنطقة العربية، ومنهم قادة حزب الله في لبنان، حيث يكرر أمينه العام حسن نصر الله إطلاق لقب «الإمام» على خامنئي، وحيث ألف الشيخ نعيم قاسم، نائب نصر الله، أخيرًا كتابًا بعنوان «مُحيي الإسلام». ومما يقوله قاسم في كتابه أن «الإسلام كان قد مات أو شارف على الموت قبل أن يظفر آية الله روح الله الخميني بالسلطة في إيران». وتابع «غير أنه كان على الخميني أن يواجه القلاقل التي تلت الثورة بالإضافة إلى ثماني سنوات من الحرب مع العراق، وبالتالي لم يتمكن من صبّ كل اهتمامه على إحياء الإسلام». ومن ثم، تركت «المهمة المقدسة» لخامنئي، الذي «بفضل مزاياه الاستثنائية أعطى الإسلام عمرًا جديدًا أتاح له إذلال الكفّار، والتوسع في كل الاتجاهات».
هل «المرشد الأعلى» في إيران فوق مستوى البشر.. بل من جنس الملائكة؟
هذا السؤال جزء من طيف واسع من النظريات والنظريات المضادة المستخدمة لتكوين هالة «تقديس» شخصية تجعل من المرشد آية الله علي خامنئي ظاهرة عجائبية استثنائية تسمو على البشر العاديين.
خلال القرن الميلادي السابع عشر خرج الملا محمد الباقر مجلسي، أحد ملالي مدينة أصفهان، بنظرية يزعم فيها أن الله - عز وجلّ - خلق الكون كله من أجل نسل فاطمة الزهراء (رضي الله عنها) بنت الرسول (صلى الله عليه وسلّم) وزوجها علي بن أبي طالب (رضي الله عنه)، ومن ثم فإن الأئمة الأحد عشر الذين تولوا «الإمامة» بعد علي (رضي الله عنه) هم «الثمرة الخاصة المميزة» لهذا الخلق.
ومنذ ذلك الحين توسّعت هذه النظرية لتشمل جميع نسل الأئمة. وخلال الأسبوعين الأخيرين أعلن آية الله أحمد خاتمي أن الصلاة على قبر أي من نسل الأئمة علامة على «الالتزام الكامل بالقرآن الكريم». وقبله، كان آية الله العظمى صافي كلبايكاني قد ذهب إلى أبعد عندما زعم أن زيارة تلك القبور «جزء لا يتجزأ من العبادة في الإسلام»، وأن خامنئي «كونه سليل الإمام الثالث عند الشيعة، الحسين بن علي (رضي الله عنهما)، يجب أن يعتبر شخصية مساوية للرسول (صلى الله عليه وسلم)». كذلك قال السيد رضا تقوي، رئيس «مجلس اتخاذ السياسات من قبل أئمة صلاة الجمعة»، خلال خطبة جمعة له أخيرًا، إن «الغاية الأساسية من صلاة الجماعة في المساجد إنما هي تجديد وتأكيد الصلة بين المسلمين والولي الفقيه»، أي خامنئي الذي هو الممثل الحالي لنسل فاطمة وعلي (رضي الله عنهما).
هذا النسل، وفق السلطة الحاكمة في طهران، تنعّم بصفات تقارب العجائب والمعجزات، ولقد نشرت جريدة «كيهان»، التي يشرف عليها مباشرة مكتب خامنئي، مقالة عن زيارة قام بها «المرشد الأعلى» إلى مدينة شيراز، العاصمة الثقافية السابقة لإيران. وجاء في تلك المقالة ما يلي «مع أن الزيارة لم تحصل في شهر الربيع، كانت الزهور اليانعة مبهرة، وغرّدت العنادل وتراقصت، وعبق الجو بعبير مبهج، وسطعت الشمس طوال الوقت كما لم تسطع من قبل.. لماذا؟ لأن الآغا (السيد).. آتٍ».
في رأي حميد دانشوار، الباحث في التقاليد الإسلامية، فإن «هذا النوع من التبجيل النفاقي المُفرط مألوف منذ زمن بعيد في إيران ومناطق مشرقية أخرى، لكن المنافقين والمتزلفين المتكسبين من لاعقي الأحذية كانوا يفعلون ذلك من أجل الكسب المادي، وما كانوا يخلطون بين تزلّفهم المادي والمضامين الدينية. أما اليوم ما هو جديد، وقد يكون إشكاليا في المستقبل، فهو محاولة إسباغ صفات نبوة أو قداسة على خامنئي. وهذا بالنسبة لغالبية المسلمين منحى غاية في الخطورة».
هنا، من الإنصاف القول إن خامنئي نفسه أعرب غير مرة عن امتعاضه من إفراط أتباعه ومبالغتهم في تبجيله. وفي مناسبتين على الأقل طالب علنا بألا يطلق عليه لقب «الإمام»، وبحصر هذا اللقب في علي بن أبي طالب (رضي الله عنه) والأئمة الأحد عشر. كذلك، وفقًا لمصادر قريبة من حاشية خامنئي، فإنه عارض مخططًا لرسم صورة شخصية له بأشجار تزرع في سفوح ومنحدرات جبلية بمناطق عدة من إيران لكي يرى المسافرون جوًا من مختلف أنحاء العالم وجه «المرشد الأعلى» من نوافذ طائراتهم (في نهاية المطاف لم تنفذ إلا صورة واحدة من هذا النوع).
من جهة أخرى، يتلقى مكتب خامنئي آلاف القصائد الطوال التي تتغنى بمزاياه الخارقة وغير المعهودة في البشر العاديين، وإن كانت قلة منها تنشر في الموقع الرسمي الإلكتروني الخاص به. ولكن إحدى القصائد المنشورة تشبّه خامنئي بـ«الشراب الإلهي» الذي «عندما يشربه المؤمنون يقتربون من الحقيقة المطلقة». كذلك نظمت أمينة هوا، وهي سيدة صينية اعتنقت الإسلام حديثًا، قصيدة باللغة الفارسية تحدثت فيها كيف «بكت بدموع الفرح» بمجرد لفظها اسم «المرشد الأعلى». وهناك أيضًا شاعر وصفته أجهزة الإعلام الإيرانية بـ«شاعر قطر الوطني» وصف خامنئي بأنه «الجنة التي يتلألأ فيها المسلمون كمليارات النجوم».
أحد الباحثين في شؤون الدين - طلب إغفال الإشارة إلى اسمه - وهو ممّن يعرفون خامنئي جيدًا، علّق على ما يحصل قائلا «على الأقل يستطيع المرء القول إن خامنئي، وإن كان يدغدغه كلام كهذا، فإنه يثير خجله أيضًا. وشعوري الخاص أنه ليس واثقًا ممّا إذا كان إطراء كهذا ينبع من مصلحة شخصية عند المادحين أم أنه شعور حقيقي صادق». غير أن موقفه - أي خامنئي - في هذا المجال لا يعني شيئًا لمتجاهليه الكثر من المعجبين، سواءً كانوا من الصادقين المخلصين أو المنافقين المتزلفين.
بين هؤلاء المتجاهلين زعيم حزب الله اللبناني حسن نصر الله، بالنسبة لنصر الله كلمة «الإمام» مرادفة لاسم خامنئي. إذ إن نصر الله يحمل الرقم القياسي على صعيد إسباغ الصفات المفرطة في تبجيله «المرشد الأعلى» الإيراني، أضف إلى ذلك أنه بلغ الأمر بالشيخ نعيم قاسم، نائب نصر الله، حد تأليف كتاب بتكليف من «الحرس الثوري» الإيراني بعنوان «مُحيي الإسلام».
ومما يقوله قاسم في كتابه أن «الإسلام كان قد مات أو شارف على الموت قبل أن يظفر آية الله روح الله الخميني بالسلطة في إيران». وتابع «غير أنه كان على الخميني أن يواجه القلاقل التي تلت الثورة بالإضافة إلى ثماني سنوات من الحرب مع العراق، وبالتالي - وفق قاسم - لم يتمكن من صبّ كل اهتمامه على إحياء الإسلام». ومن ثم، تُركت «المهمة المقدسة» لخامنئي، الذي «بفضل مزاياه الاستثنائية، أعطى الإسلام عمرًا جديدًا أتاح له إذلال الكفّار، والتوسع في كل الاتجاهات».
مسألة شعور خامنئي بالخجل والحرج إزاء «تقديسه» أم لا ما زالت ضربًا من التخمين، لكن ثمة دلائل على أنه ليس خجولاً أو محرجًا البتة، بل لعله يشجع المتزلفين له. وكمثال على ذلك، عندما بزغ «الربيع العربي» عام 2011 زعم خامنئي أنه من إيحاء ثورة الخميني وقيادته إياها. ثم إنه أسس وحدة خاصة سلّم رئاستها لمستشاره للشؤون الخارجية (ووزير الخارجية الأسبق) علي أكبر ولايتي، وأطلق عليها تسمية «مكتب الصحوة الإسلامية»، وحدد مهمته بقيادة وإدارة «الربيع العربي». وبعد ذلك، أرسل رسالة أملاها بنفسه، ووقعها ولايتي، إلى قادة جماعة الإخوان المسلمين في مصر، نصحهم فيها بإدارة الثورة عبر إجراء عمليات تطهير في القوات المسلحة، وإنشاء محاكم ثورية، وتصفية الخصوم، كما سبق للخميني أن فعل في إيران.
وفي وقت سابق من العام الحالي، نشر خامنئي «رسالة مفتوحة» إلى «شبيبة الغرب» دعاهم فيها لتبني آيديولوجيته. والشهر الماضي أسّس مكتبًا خاصًا لترجمة تلك الرسالة وتوزيعها وتجنيد أشخاص في الغرب لمتابعة تنفيذ أهدافها. وثمة «مركز أبحاث» يضم عشرات العاملين يكرّس نشاطه الآن «لاستلهام أعمق المعاني في كتابات خامنئي. بيد أن المشكلة هنا لا تكمن في أنه ألقى أكثر من ألف خطبة منذ 1979، بل في أنه لم يكتب شيئًا بنفسه. وهذا، مقابل ترجمته كتابًا واحدًا للشخصية الإسلامية الباكستانية البارزة أبو الأعلى المودودي، وكتابين اثنين للقيادي الإخواني المصري سيد قطب، وبضع قصائد للشاعر الفلسطيني محمود درويش. لكن خطوات «تقديس» شخص خامنئي بلغت أقصاها الشهر الماضي، عندما نظّم مكتبه مؤتمرًا دوليًا للأطباء المسلمين. وحقًا جاء إلى طهران لحضور المؤتمر أكثر من 400 طبيب من 68 دولة، مع تأمين تغطية جميع نفقات سفرهم وإقامتهم، وكانت الغاية من المؤتمر أن يتعلم الأطباء «من فكر خامنئي» كيفية «توسيع حدود المدارك الطبية أبعد من كل حدود التصوّر!». ومع أن خامنئي «لا يفقه شيئًا في علم الطب، فهو لم يشعر بأدنى حرج أو خجل على الإطلاق، ولعل التزلف المفضي إلى التقديس والتأليه قد انطلى عليه»، وفق كلام أحد موظفيه السابقين، وهو يعيش اليوم في المنفى.
في مطلق الأحوال، يظل خامنئي أفضل تعليمًا من الخميني. فعلى الأقل، يجيد خامنئي التكلم والكتابة باللغتين الفارسية والعربية، وهذا أمر لم ينطبق على الخميني. كذلك، ثمة دلائل تشير إلى أن خامنئي أكثر إلمامًا بالعلوم الإسلامية والتاريخ الإسلامي من آية الله السابق الراحل. لكن، مع هذا، لم يحظ «المرشد الأعلى» الحالي إطلاقًا بالاعتراف به كعالم ومرجع إسلامي، بل هو معترف به فقط كزعيم سياسي، مما يسبغ عليه قدرًا لا بأس به من الغموض الخطر.
هذا الغموض، بالذات، يتيح له اليوم أن ينزع إلى بلوغ مكانة ليس مؤهلاً لها مستغلاً موقعه السياسي، ما دامت الظروف ساعدته على ذلك. ولكن، بمجرد حدوث أي مؤشر لتغير سلبي - مهما كان بسيطًا - على نفوذه السياسي، أو في حال تعرّضه لتحدٍ جدي لموقعه، فإنه سينفضح كقائد ديني أعزل. وهذا، في سياق السياسة الإيرانية العنيفة الطابع، يعني أنه بصرف النظر عما إذا كان خامنئي من جنس الملائكة أم لا فإنه سيجد نفسه في وضع لا يحسد عليه في أقل الاحتمالات سوءًا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق