الجمعة، فبراير 10، 2012

طرق تزوير الانتخابات ؟.. الحلقة الثانية

2 - التصويت بالتعارف
هذه وسيلة معروفة في سوابق التزوير في الانتخابات وعلى خلاف الوسائل الأخرى (مثل تزييف إرادة الناخب أو دس بطاقات في الصندوق) تعتبر جريمة يتضح فيها القصد الجنائي بما لا يدع أي مجال للشك وتتضح عمدية القيام بها لدى الناخب (المزيف) والأشخاص المتواطئين معه.
وتتمثل هذه الوسيلة في إساءة استخدام رخصة إثبات الشخصية عن طريق التعارف، فقد أجاز القانون المصري للناخب أن يشارك في التصويت دون أن يقدم أي مستند رسمي لإثبات شخصيته (بطاقة شخصية ، عائلية ، رقم قومي ، جواز سفر ، رخصة سلاح ، ويتردد أيضا قبول رخصة القيادة وإن لم يعتبرها القانون وسيلة لتحقيق الشخصية) وبذلك ترك ثغرة تسمح بالتعرف على هوية الناخب عن طريق "شهادة الشهود داخل اللجنة" وهو ما يسمى بالتصويت بالتعارف ، ورغم أهمية السماح بهذه الوسيلة لأسباب عملية لاسيما في الريف وحيث تكون الأمية عالية ولاسيما في حالة كبار السن فإنها قابلة للاستغلال بشكل إجرامي.
وفي هذه اللجان يقوم المندوبون داخل اللجنة بالتعرف على هوية الناخب ويتم تسجيل ذلك على نموذج خاص باللجنة ويحفظ في مستنداتها ويشارك هذا الناخب في التصويت.
وبصرف النظر عن المقابل أو المصلحة من وراء هذا الفعل ، فإنه لا يصبح "تزويرا" إلا إذا انتحل هذا الشخص اسما غير اسمه الحقيقي , أي حل في شخصية غيره ولهذا نسمي هذه الوسيلة " إساءة " استخدام رخصة التصويت بالتعارف.
لكن في بعض الأحوال ترفض اللجنة السماح لأحد بإثبات شخصيته بالتعارف إذا لم تكن مرتاحة لبعض الأمور أو تكون قد لاحظت توترا معينا في أجواء اللجنة ومن ثم لا يتمكن هذا الناخب من استخدام هذه الرخصة القانونية ويحرم المرشح الذي يؤيده من صوته أساسا وهذا وجه آخر (سلبي) لإساءة تطبيق التصويت بالتعارف.
وكذلك فقد لا يتفق المندوبون على شخصية الناخب وفي هذه الحالة فقد تسمح اللجنة للمندوبين المعارضين بإثبات رأيهم في محضر اللجنة وقد يحاول رئيس اللجنة بنفسه التيقن من هوية الناخب بسؤاله أو بالاسترشاد برأي ناخب آخرموجود وهذه سلطته التقديرية.
وعلى الرغم من قانونية لجان التعارف إلا أنه يتم اللجوء إليها كثيرا كإحدى طرق التحايل على القانون ( أو بالأحرى ثغرات القانون ) و خاصة فى الفترة الأخيرة بعدما أصبح رجال القضاء يقومون بالإشراف على سير العملية الانتخابية ، فلا يستطيع أحد أن ينكر أن الإشراف القضائي على العملية الانتخابية قد حد كثيرا من طرق التلاعب في سير العملية الانتخابية داخل مقار اللجان الانتخابية ، إلا أن الكثير من المرشحين يلجأون إلى محاولة استغلال "قانونية" لجان التعارف و خاصة في الدائرة الريفية .
و في الماضي كانت لجان التعارف هذه تتم لأسباب وجيهة و هى أن الكثير من الناخبين المصريين سابقاً لم يكونوا يحملون أية إثبات شخصية و خاصة في دوائر الريف المصري و خصوصا المرأة ، فكانت أهمية عقد هذه اللجان تأتي لحث الناخبات على الإدلاء بأصواتهن ، لكي يمثل النائب دائرته تمثيلاً حقيقياً من خلال زيادة نسبة المشاركة السياسية للناخبين .
و أهم وسيلة يلجأ إليها هؤلاء المرشحين لاستغلال لجان التعارف هى الإتفاق – أو بالأحرى "التواطؤ" – مع بعض مشايخ الحصص أو القرى أو العمد على أن يشهدوا بالتعرف على أشخاص بعينهم يكونون من أنصار هذا المرشح دون غيره من المرشحين ، و ذلك حتى تكون اليد الأولى في العملية الانتخابية .
و من التطبيقات العملية التي يلجأ إليها الناخبون المتواطئون في هذه العملية قيامهم بالتصويت المتكرر ، حيث نجد أن ناخبا معينا قد يستطيع أن يدلي بصوته أكثر من مرة في عدة دوائر انتخابية أو في عدة لجان فرعية داخل الدائرة الواحدة أو تحت داخل اللجنة الانتخابية الواحدة ( أي نفس الجدول ! ) ، و يستخدم في ذلك بعض الأساليب التى "تخيل على اللجنة" بحيث يصعب اكتشافها مثل تغيير ملابسه أو مظهره في كل مرة يدخل فيها اللجنة لينتحل شخصية ناخب آخر مسجل اسمه في الجدول و يدعي أنه هو ذلك الشخص و يثبت ذلك بالتعارف ، و ربما يكون ذلك على فترات متباعدة حتى يصبح وجهه مألوفا ً لرئيس اللجنة .
و المؤسف أن المرأة إذا تواطأت في هذه الوسيلة فإنها تجيدها لاسيما في لجان السيدات و خصوصا في الريف ، حيث يسهل تغطية وجهها أو تغيير مظهرها لانتحال شخصية ناخبات أخريات أكثر من مرة .
و لا يجب هنا في رأينا التماس العذر بحجة الأمية أو الضغوط الاقتصادية أو التعصب للعائلة أو ضغط الزوج ..، فالمسألة تتعلق بالأمانة فحسب ، و شهادة الزور لا يبررها أي سبب مما سبق ، فعندما تدخل المرأة إلى اللجنة لتصوت بالتعارف تخبره باسم ليس اسمها ، ثم ينظر رئيس اللجنة في الكشف و يسألها "هل أنت فلانة؟" فإذا قالت "نعم" بالنسبة لاسم ليس اسمها فهى بالقطع مزورة وإذا توافر الميل إلى التزوير لدى هذه المرأة فإنها تنجح في ذلك ، مستغلة كونها امرأة محافظة في منطقة ريفية ، حيث تقضى التقاليد عدم كشف الوجه مثلا ، أو عدم "التحديق" في وجه المرأة مما يعرقل التحقق من هيئتها ، فمرة نجدها مرتدية الحجاب و أخرى بدونه ، و مرة ترتدي جلبابا و أخرى فستانا ، و مرة تأتي تحمل طفلا و مرة تأتي بصحبة والدتها ليشاركا معا مرة أخرى ..، و هكذا و بنفس الأسلوب قد يدلي الناخب أو الناخبة بالصوت في أكثر من لجنة على مستوى الدائرة ،عن طريق التعارف .
و من الحالات التى تيسر نجاح هذا الأسلوب أن يتم التصويت بانتحال شخصية المتوفين و المصريين المقيمين بالخارج و لكن لم تتم تنقية الجداول منهم ، أو التصويت بأسماء أشخاص أحياء! و من القصص المعروفة في الانتخابات حدوث تصويت باسم شخص حي و بالتالي يظهر توقيع أمام اسمه و تضع اللجنة علامة "صح" أمام اسمه في الكشف دليلاً على أنه قام بالإدلاء بصوته ، ثم عندما يحضر هذا الشخص الحقيقي بعد ذلك و يقدم إثبات شخصيته الرسمي ( ولو حتى كان لديه بطاقة الرقم القومي ) فإن اللجنة ترفض السماح له بالتصويت باعتبار أن هناك علامة "صح" أمام اسمه بالفعل ، و ربما نشأت المقولة الساخرة التي يرددها البعض عند سؤالهم "هل رحت الانتخابات " ، فيقولون : "فيه ناس صوتوا لنا!!".
و قد يكون هذا النوع من التزوير ضد الغير ، حين يتم العبث بأسماء أشخاص حقيقيين لمنعهم من التصويت و بالتالي حرمان مرشح معين من أصواتهم ، و ذلك بسبب أخطاء أو تحريف في الأسماء ( إذا كان عمدياً ) ، و بالتالي فهو ليس انتحالاً لشخصية الغير " ، بل يمكن أن نسميه "حجب شخصية الغير " ، و هو تزوير أيضا و لكنه سلبي .
ثم نأتي للتسأول الهام حول هذه القضية و هو : كيف تتم مواجهة التحاليل الذي يتم على سير العملية الانتخابية من خلال التصويت بالتعارف ؟
مما سبق ، يمكن ملاحظة أن هذه الوسيلة في تزوير الانتخابات يمكن التعامل معها من أربعة مداخل متكاملة ، وهى :
أ – تشديد العقوبات على هذه الجريمة خصوصاً ، و الجرائم الانتخابية بوجه عام ، و هذا موضوع محل نقاش مستمر ، فمن الضروري مراجعة القانون لوضع قيود أكبر على ممارسة هذه الرخصة ، مثل اشتراط تقديم البطاقة الانتخابية و التأشير عليها عن القيام بالتصويت فلا تستخدم أكثر من مرة . ومن هنا ننادي بوضع تشريع جديد يشدد و يغلظ العقوبة على كل من تسول له نفسه أن يستخدم مثل هذا الأسلوب في التحايل على القانون مباشرة الحقوق السياسية من أجل تزييف إرادة الناخبين ، حتى يرتدع و يكون عبرة لغيره .
ب – استكمال خطة الرقم القومي على مستوى الدولة ، فالواقع العملي أثبت أهمية أن يتم تعميم الرقم القومي ، و ذلك حتى نستطيع أن نواجه مثل هذا التلاعب ، و حتى لا تكون هناك فرصة لأمثال هؤلاء المرشحين لأن يقوموا بالتحاليل على القانون و استغلال ما به من ثغرات لتحقيق أهدافهم و مصالحهم الشخصية ، لأنه عند تعميم الرقم القومي لا نكون بحاجة إلى عقد لجان التعارف تلك .
ج – حملة منظمة لاستنهاض ضمير الناخب و تنمية الإحساس بأمانة الصوت . فالمشكلة الأساسية هنا في انتشار الإحباط لدى الكثيرين ، مع محدودية الوعي السياسي ، و الظن بأن هذا التلاعب في الانتخابات أمر بسيط و لا يرقى إلى مخالفة الضمير أولا و يصعب تطبيق العقوبة عليه عمليا .
د – مواجهة ضعف إقبال الناخبين على المشاركة السياسية في الإدلاء بأصواتهم ، فعندما نجد ان شخصاً ما يقوم بانتحال شخصية ناخب آخر و استغلال لجنة التعارف في ذلك لمصلحة مرشح معين ..، إذن الذي يساعد هذا الشخص على أن يفعل هو عدم الإقبال الناخبين الحقيقيين على المشاركة في الانتخابات و عدم الإدلاء بأصواتهم مما يترك فرصة أكبر أمام المزورين ، لذلك يجب أن يقبل الناخبون على الإدلاء بأصواتهم في الانتخابات و ذلك حتى لا يجد هؤلاء الأشخاص الفرصة و الظروف التى تساعدهم على مايقومون به من أفعالهم تلك . و من هنا تبرز أهمية الوعي السياسي للناخبين ، و ضرورة أن يقوم كل ناخب بالإدلاء بصوته و ذلك حتى يقوم بقطع خط الرجعة على كل من يحاول انتحال شخصيته و تزييف إرادة الناخبين ، فإذا استخدم كل ناخب حقه السياسي في الإدلاء بصوته نكون بذلك قد قطعنا شوطاً كبيراً في الحد من ظاهرة التحايل على لجان التعارف .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق