السبت، مايو 31، 2014

بعد صفقة الأسلحة مع روسيا .. مخاوف إسرائيلية من تغير ميزان القوى مع مصر

مخاوف إسرائيلية من تغير ميزان القوى مع مصر
- يبدو أن تقارير المعلومات الأخيرة التي أفادت بأن صفقة الأسلحة الأخيرة التي عقدتها مصر مع روسيا تتضمن الحصول علي سربين (24 طائرة) طراز ميج 35 الأحدث في الترسانة الجوية الروسية، وليس الميج - 29 كما أشيع سابقا، يبدو أن هذه التقارير أحدثت فزعاً في الدوائر المعنية بالأمن القومي الإسرائيلي،
نظراً لما يشكله ذلك من تغيير حاد في ميزان التسليح بالشرق الأوسط لصالح مصر، خاصة وأن إسرائيل تعتبر التفوق المطلق لسلاحها الجوي - علي المستويين الكمي والنوعي - هو إحدي ركائز نظرية أمنها القومي، الأمر الذي تحرص معه دائماً علي امتلاك أحدث المقاتلات الأمريكية، حتي تلك التي تحت الإنتاج مثل ف -35، في - 22. هذا إلي جانب أنظمة تسليح أخري حديثة تضمنتها صفقة الأسلحة الروسية لمصر شملت أنظمة دفاع جوي وقطع وصواريخ بحرية، وصواريخ مضادة للدبابات من الجيل الثاني.
- ولم يقتصر الفزع فقط علي إسرائيل وأمريكا بسبب هذه الصفقة، بل أصاب أيضا دولاً أخري ومنظمات في الدائرة الإقليمية - مثل قطر وتركيا وإيران والسودان وحماس - لا يسعدها أن تري الجيش المصري متماسكاً وقوياً وقادراً علي الدفاع عن حياض مصر وأمنها، ويأتي ترتيبه الـ 13 بين أقوي جيوش العالم (106 جيوش) طبقا لتصنيف مؤسسة GFP الدولية، وكانت هذه القوي الإقليمية الكارهة لمصر قد راهنت طويلا علي أن تنعكس حالة الفوضي التي أصابت مصر بفعل ثورة 25 يناير وأضعفتها علي جيشها، وبما يؤدي إلي إنهاكه وتقسيمه علي النحو الذي جري في جيوش العراق وسوريا وليبيا واليمن بفعل ثوراتها، إلا أنه بفضل الله تعالي خاب فألهم وخسروا رهانهم، فقد استمر تماسك الجيش المصري، بل استمر في تطوير قدراته القتالية، وكانت صفقة الأسلحة الروسية الأخيرة إحدي مظاهر هذا التطوير، وقد زاد من ذعر وفزع هذه القوي الإقليمية الحاقدة علي مصر وجيشها ما أعلنه المشير عبدالفتاح السيسي المرشح للرئاسة والأقرب إليها عن استعداد الجيش المصري للدفاع عن أمن أي دولة عربية تطلب مساندته، ولن يفصله عن ذلك سوي «مسافة السكة» علي حد قوله.
- لذلك لم يكن غريبا أن تطالب إسرائيل الولايات المتحدة بأن تتدخل لممارسة أقصي أنواع الضغط علي روسيا لمنع تنفيذ صفقة الأسلحة الروسية، حتي تضمن إسرائيل بقاء تفوقها العسكري الذي تمتعت به طويلا علي الجيوش العربية بفضل الدعم والمساندة الأمريكية - عسكريا وسياسيا واقتصاديا - وغير المحدودة، لا سيما وأن أمريكا تدرك جيدا كم أصبح الجيش المصري يشكل عقبة كئوداً في طريق تنفيذ مخططها لتقسيم وتجزئة دول المنطقة في إطار ما يطلق عليه (مخطط الشرق الأوسط الكبير) وسبيل ذلك إثارة الفوضي الخلاقة علي النحو الجاري في باقي الدول العربية، وهو المخطط الذي فشل فشلا ذريعا في مصر. وفي التقدير الإسرائيلي والأمريكي أن كل ذلك التغيير يحدث ولم يصل المشير السيسي بعد إلي مقعد الرئاسة في مصر، فكيف سيكون حال مصر وجيشها من قدرة وتفوق بعد أن يصبح رئيسا لمصر؟
تقرير معهد الأمن القومي الإسرائيلي
- أصدر معهد الأمن القومي الإسرائيلي «INSS» في أول مايو الماضي تقريرا بقلم كل من «يفتاح شابير» و«زفي ماجن حال» و«جال بيريل»، ذكر فيه «أن مصر علي وشك أن توقع قريبا صفقة أسلحة كبيرة مع روسيا لشراء 24 طائرة مقاتلة من طراز (ميج - 35)، وأنه إذا ما تم الانتهاء من هذه الصفقة، فإن ذلك سيمثل حدثا مهما في الصورة الاستراتيجية في الشرق الأوسط، وعلامة أخري علي انخفاض نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة. وفي المقابل بالنسبة لروسيا فإن هذا سيكون إنجازاً استراتيجيا ذا مغزي في الكفاح العالمي ضد الغرب. أما بالنسبة لإسرائيل، فإن تزويد مصر بسرب أو اثنين من مقاتلات (ميج - 29) لن يكون له مغزي كبير علي المستوي التكتيكي. ولكن من الممكن أن يكون ذلك ذا مغزي استراتيجي وحاسم في حال تصاعد الصراع بين روسيا والغرب، وتمكنت روسيا من الحصول علي موطئ قدم في مصر. وعلي أي حال فإن الصفقة لم توقع بعد، ويوجد كثير من العقبات أمام إتمامها.. تكتيكية، وعملياتية، واقتصادية، والأهم من كل ذلك، صعوبات سياسية واستراتيجية». تلك كانت مقدمة تقرير معهد الأمن القومي الإسرائيلي».
- ثم أشار التقرير الإسرائيلي بعد ذلك إلي أهمية الاتصالات التي جرت بين مصر وروسيا في الأشهر الأخيرة، لاسيما في نوفمبر 2013، عندما قام وزير الخارجية الروسي سيرجي لافروف ووزير الدفاع سيرجي شوجو بزيارة القاهرة، أعقبتها زيارة المشير عبدالفتاح السيسي لموسكو في فبراير 2014 عندما كان وزيرا للدفاع، حيث أشارت تقارير المعلومات إلي صفقة أسلحة ضخمة جرت مفاوضات بشأنها تضم أنظمة دفاع جوي Tov-m1, وبانتسير - S1، وأنظمة صاروخية للدفاع الساحلي ياخونوت ss-n-26، وهليوكوبتر هجومية Mi-35، وصواريخ مضادة للدبابات من الجيل الثاني (كورنيت).. وغيرها من أنظمة تسليح حديثة في إطار صفقة تبلغ قيمتها نحو 3 مليارات دولار، وأن السعودية والإمارات ستتوليان تمويل هذه الصفقة، فضلا عن توقع إبرام صفقة أخري بعدها تشمل صواريخ بالستية يتعدي مداها 1000كم، ودبابات (ت 800)، وغواصات (كيلو)، وأنظمة أخري متطورة. واستبعد تقرير معهد الأمن الإسرائيلي حصول مصر علي المقاتلة ميج - 35، وأن البديل لها هو (الميج - 29)، موضحا أن أول عرض جوي شاركت فيه المقاتلة (ميج - 35) كان في المعرض الجوي في الهند عام 2007، وأنها نتاج تطوير المقاتلة الأقدم (ميج - 29) وتعتبر الجيل الرابع من هذه الطائرة الاعتراضية. أما المزايا التي تتمتع بها هذه الطائرة عن سابقاتها (ميج m2, m29) فتتضمن نظام معلومات حديثاً، ومنظومات تسليح روسية وغربية، بالإضافة إلي مجموعة متنوعة من وسائل دفاع ذاتي مدمجة.
- وتعتبر الميج - 35 طائرة متعددة المهام ذات إمكانيات جيدة في كل مهام القتال جو/جو، واتصال جو/ أرض بدقة عالية (ذخيرة ذكية دقيقة التوجيه)، وذلك في جميع أنواع الطقس. حيث تتزود برادار طراز Shuk-AE والذي يعمل بمنظومة مسح إلكتروني نشطة (AESA)، وهو متقدم جدا عن الرادار المزود به المقاتلة ميج - 29 (M2 وM). كما أن محرك المقاتلة (ميج - 35) يعتبر الأحدث والأكثر قوة - ولم تدخل هذه الطائرة (ميج 35) بعد حّيز الإنتاج، وتأجل توقيع أول عقد لتوريدها لسلاح الجو الروسي إلي عام 2016، وهذا هو السبب في ترجيح حصول مصر علي مقاتلات (ميج 29 طراز M2) والتي تبلغ سرعتها علي الارتفاعات العالية 2٫35 ماخ (2600 كم/ ساعة) وعلي الارتفاعات المنخفضة 1٫4 ماخ (1500 كم/ ساعة)، ويصل مدي عملها إلي 2000 كم، ويشمل تسليحها 8 صواريخ ج/ جو R-73E، 8 صواريخ جو/جو R-77، و4 صواريخ R-27, بالإضافة إلي 4 صواريخ جو/ أرض Kh-29T، 4 صواريخ جو/أرض Kh31A، و4 صواريخ Kh-31B، و4 قنابل موجهة KAB زنة 500 كجم، و4 قنابل غير موجهة FAB 500 كجم، و4 قنابل عنقودية RBK زنة 250 كجم، و4 قنابل أخري RBK زنة 500 كجم، و4 قنابل أخري RBK زنة 750 كجم، إلي جانب 4 صواريخ غير موجهة 2-8 و6 صواريخ أخري 25 - 2.
- أما نظام الدفاع الجوي (تور - 12) ويطلق عليه في الناتو (سام - 25)، فهو عبارة عن مركبة مجنزرة مسلحة به صواريخ M335 و9 صواريخ M331  أرض/ جو، ويصل مداه إلي 500 كم، وقادر علي اعتراض الطائرات المقاتلة والهليوكوبترات والصواريخ الكروز، والذخيرة دقيقة التوجيه، والطائرات بدون طيار، والصواريخ البالسيتة قصيرة المدي، وذلك علي الارتفاعات المتوسطة والمنخفضة وتطورت منه نماذج أخري Tor - MTB وTor- M2 وTor - M1T.
- ويطلق علي النظام الصاروخي الساحلي (ياخو فوت) في الناتو (SS- N - 26) ضد السفن، ويجري توجيهه في منتصف المسافة آلياً auta Pilat، وفي المرحلة النهائية بواسطة رادار باحث نشط، ويصل مداه إلي 300 كم وسرعته 2٫3 ماخ (750 متر/ ثانية)، ويمكن استخدامه من قاذف أرضي، ومن السفن والغواصات والطائرات، ومن قاذف علي مركبة. وتسعي مصر للحصول علي طراز P-800 aniles المنتج في عام 2002، وهو من نوع صواريخ كروز بنفس المدي والسرعة، ولكن يمكنه التحليق علي ارتفاع 10 أمتار وأعلي، ومسلح بـ 4 قواذف ذاتية الحركة في كل معه، صاروخ كروز، ويتميز بأنه من الجيل الثالث (اضرب وانسي Fire amd fajget) وقد حصلت عليه سوريا وإيران.
- ثم انتقل تقرير معهد الأمن الإسرائيلي إلي المساعدات العسكرية الأمريكية لمصر، والتي تبلغ 1٫3 مليار دولار لشراء أنظمة تسليح ومعدات عسكرية أمريكية في المقام الأول، ولكن في الحقيقة استخدمت مصر هذه المساعدات لشراء أنظمة تسليح من دول أخري بما فيها روسيا (لتحسين أنظمة دفاعها الجوي القديمة). إلا أن العلاقات العسكرية بين مصر وأمريكا فترت بعد أحداث الربيع العربي في مصر، حيث ألغت أمريكا في أغسطس 2011 مشاركتها في مناورات (النجم الساطع) السنوية بسبب الوضع السياسي في مصر عقب الإطاحة بنظام الرئيس مبارك. وبينما استأنفت في عام 2012 إمدادات السلاح بكامل قيمة المساعدات، إلا أن الوضع تغير بعد خلع الرئيس مرسي الذي كان علي رأس نظام الحكم الإخواني وتم الإطاحة به في يوليو 2013، علي الرغم من تزويد أمريكا لمصر بـ 4 مقاتلات (إف - 16) من أصل اتفاق وقع في عام 2010 شمل 40 مقاتلة، وفي أكتوبر 2013 أعلنت الإدارة الأمريكية تأجيل شحن 4 مقاتلات أخري، وإعادة تقويم المساعدات الدفاعية لمصر بموجب قانون يحظر تصدير الأسلحة إلي أنظمة حكم جاءت عن طريق انقلابات عسكرية، ولذلك أوقفت أمريكا إرسال ما سبق التعاقد عليه من مقاتلات إف - 16 ومروحيات أباتشي وأنظمة دفاع جوي ودبابات ابرامز، إلا أنها في إبريل 2014 سمحت بإرسال 10 مروحيات أباتشي، وذلك عقب تسليم أربعة صواريخ بحرية (أمبا سادور) في نوفمبر 2013.
- ولا شك في أن صعوبة حصول مصر علي الأسلحة من أمريكا يفسر لجوء مصر إلي روسيا للحصول علي احتياجاتها الدفاعية، ويبني بوضوح عدم رضاء القيادة المصرية عن السياسة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط، حيث أثارت صفقة الأسلحة الأخيرة مع روسيا تمدداً من الأسئلة علي النحو التالي:
أولاً: علي الجانب التقني، حيث لا يتعلق الأمر فقط بأن الميج - 35 لم تدخل بعد حيّز الإنتاج، إلا أن دخول مقاتلات روسية في خدمة التشكيلات الجوية المصرية التي تعتمد حاليا علي طائرات أمريكية، سيفرض تغييرا في العقيدة العسكرية والقاعدة اللوجيستية التي تخدم الأسراب الروسية الجديدة، لا سيما في مجالات الإصلاح والصيانة والتسليح والتدريب، حيث تختلف القاعدة اللوجيستية الروسية عن الأمريكية تماما. ويتطلب التحول مرة أخري نحو العقيدة الروسية فترة انتقالية طويلة ومعقدة ومكلفة قد تستمر 2 -3 سنوات، وهو ما جربته مصر في السابق عندما تحولت في الثمانينيات من التقنية والعقيدة العسكرية السوفيتية إلي التقنية والعقيدة العسكرية الأمريكية. وفي حين تواصل مصر استخدام عدد من أنظمة التسليح الروسية (خاصة في الدفاع الجوي)، إلا أن الحصول علي طائرات روسية حديثة يتطلب نظاما لوجيستيا جديدا منفصلا تماما عن النظام اللوجيستي المستخدم للتعامل مع الطائرات الأمريكية. وهو ما لا يقتصر فقط علي الحصول علي الطائرات، ولكن يشمل أيضا أنظمة تسليح جديدة غير معروفة عن الصواريخ الحديثة جو/ جو، وجو/ أرض.. وما شابه ذلك، فضلا عن عمرات الطائرات، ويحتاج كل نظام تسليحي إلي نظام الصيانة والتدريب الخاص به، وهي إجراءات طويلة ومكلفة، ومنطق الشروع في ذلك أمر مشكوك فيه (طبقا للتقرير الإسرائيلي).
ثانياً: منذ بداية أحداث ثورة يناير 2011، والاقتصاد المصري في انخفاض، ولذلك من المشكوك فيه أن يكون لدي مصر القدرة علي الدخول في صفقات أسلحة باهظة الثمن.. وفي حين تفيد التقارير أن السعودية والإمارات ستقومان بتمويل هذه الصفقات، إلا أن هناك مجالا للشك في هذا. فرغم أن هاتين الدولتين لديهما شكاوي خطيرة من الولايات المتحدة وسياستها في المنطقة، إلا أن قيام السعودية بتمويل صفقة أسلحة روسية لمصر في الوقت الذي تهدد فيه أمريكا بإيقاف مساعداتها العسكرية لمصر، يمكن أن تنظر أمريكا لهذا الموقف من جانب السعودية بأنه تحد لها، واضعين في الاعتبار الخلاف بين السعودية وروسيا بسبب دعم الأخيرة لنظام بشار الأسد في سوريا، وهو أمر مصدر خلاف في الرياض.
ثالثا: وعلي الرغم من وجود حالة غضب في مصر من الولايات المتحدة، ورئيسها أوباما علي وجه الخصوص، والرغبة في تحدي ذلك، فإنه من المشكوك فيه أن تكون مصر علي استعداد لقطع العلاقات والتخلي عن المساعدات العسكرية الأمريكية، والامتناع عن عقد صفقات أسلحة من أمريكا. وأخيرا - وحتي اليوم - فإن معلومات يقينية عن صفقات أسلحة بين مصر وروسيا غير متوافرة حاليا، لا من مصادر مصرية ولا روسية، ولا حتي مصادر الإعلام البارزة في أمريكا وأوروبا، وبما يغطي كل أبعاد هذه القصة.
البعد الروسي
- رغم أن صفقة الأسلحة الروسية لمصر، والتي لاتزال قيد المناقشة - تعتبر ذات قيمة اقتصادية كبيرة في حد ذاتها لروسيا، وتصب سياسيا واستراتيجيا في المصلحة الروسية. ذلك لأن هذه الصفقة نتاج جهد شامل وكبير لإعادة تأهيل روسيا واستعادة مكانتها في الشرق الأوسط، والذي قُوِّض بشكل كبير خلال ثورات الربيع العربي التي دعمتها الدول الغربية كجزء من الصراع الكوني بينها وبين روسيا - طبقا للرؤية الروسية، وهو الأمر الذي دفع روسيا في العام الماضي لزيادة جهودها للتقارب مع دول الشرق الأوسط، سواء تلك التي كان لديها علاقات تعاون في الماضي مع روسيا، أو دول أخري. وعلي أي حال، فقد أصبح واضحا أن موسكو عادت إلي «دبلوماسية توريد الأسلحة». فقد جرت مفاوضات مع العراق للحصول علي مشتريات دفاعية شاملة، كما جرت محادثات أيضا مماثلة مع الأردن ولبنان، حتي أن روسيا ناقشت إمكانية تزويد الأردن بمفاعل نووي، كما تمت مناقشة صفقة أسلحة ضخمة بين روسيا والسعودية، رغم وجود خلافات أساسية بين البلدين، كما كان هناك حديث عن تمويل سعودي لمشتريات محتملة لأسلحة من روسيا بواسطة بلدان أخري في المنطقة.
- ولقد تعرض السكوك الروسي في منطقة الشرق الأوسط مؤخرا إلي بعض التغيرات بسبب الأزمة الأوكرانية، والتي تعتبر في صميم جدول الأعمال والساحة الرئيسية للصراع بين القوي الكبري. وفي نفس الوقت صنَّفت روسيا منطقة الشرق الأوسط باعتبارها جبهة أخري في الصراع الكوني بينها وبين العالم الغربي، وذلك جزئيا لتوازن الضغوط التي تتعرض لها في شرق أوروبا بفعل الأزمة الأوكرانية. وفي هذا الصدد زادت روسيا من نشاطها في سوريا وإيران، كما وسَّعت نطاق عملياتها في أماكن أخري بالمنطقة، وبما يفسر استعراض تحديها للغرب. ومن ثم فإن لروسيا مصلحة أكيدة في إكمال صفقة أسلحتها مع مصر، لما تسببه من تحسين مكانتها الدولية، وكمثال تحتذي به الدول الأخري في المنطقة لتوسيع علاقاتها مع روسيا.
خلاصة التقرير الإسرائيلي
- إذا ما تم إنجاز صفقة الأسلحة بين مصر وروسيا، فإن ذلك سيمثل حدثا مهما في الصورة الاستراتيجية بمنطقة الشرق الأوسط، فضلا عما تشكله من علامة أخري لانخفاض نفوذ الولايات المتحدة في المنطقة. أما بالنسبة لإسرائيل فإن حصول مصر علي سرب أو سربين من المقاتلات (ميج - 29) ليس ذا أهمية تكتيكية كبيرة، ولكن في نفس الوقت قد يكون لهذه الصفقة أهمية استراتيجية حاسمة إذا ما تصاعد الصراع بين روسيا والغرب علي مناطق النفوذ في الشرق الأوسط، بعد أن تحصل روسيا علي موطئ قدم إضافية في مصر.
- وتأمل إسرائيل عدم إتمام هذه الصفقة والتي لم توقع بعد، وتعتقد بوجود عقبات كثيرة تعرقل اتمامها.. منها ما هو تقني، وعملياتي، واقتصادي، والأهم من كل ذلك عقبات سياسية واستراتيجية. كما تعتقد إسرائيل أن لدي الولايات المتحدة أدوات كثيرة لتمارس ضغوطا علي مصر لتمنع إتمام هذه الصفقة. لذلك ينبغي النظر إلي التقارير المتداولة حول هذه الصفقة باعتبارها إنذاراً لصانعي القرار في واشنطن أكثر من كونها دليلا علي تغيير استراتيجي جوهري.
رؤية تحليلية
- ليس غريبا أن تثير صفقة الأسلحة الروسية الأخيرة مع مصر ذعراً وقلقاً في إسرائيل، ليس فقط لما تشمله من أنظمة تسليح جوية وبحرية وبرية حديثة تشكل إضافة للقوة العسكرية المصرية علي الصعيديين الكمي والنوعي، وبما يساهم في تغيير الميزان الاستراتيجي لصالح مصر، وهو الذي يميل بشدة حاليا لصالح إسرائيل، ولكن أكثر ما يقلق إسرائيل هو ما تمثله هذه الصفقة من استقلالية القرار السياسي المصري، والقدرة علي التخلي عن التبعية لأمريكا والامتثال لشروطها في عقد صفقات الأسلحة معها، وأهم هذه الشروط ألا تحصل مصر علي نفس الأسلحة والمعدات والتقنيات التي تمنحها أمريكا لإسرائيل إبقاء للفجوة التكنولوجية في مجال التسلح قائمة بين مصر وإسرائيل لصالح الأخيرة. ولنضرب مثالا علي ذلك بأن أمريكا تعطي المقاتلة إف - 16 لكل من مصر وإسرائيل، وتعطي المقاتلة إف- 15 لكل من السعودية وإسرائيل، فهل المقاتلة التي تحصل عليها مصر والسعودية في نفس المستوي التقني المتوفر في الطائرات التي تحصل عليها إسرائيل، الإجابة بالقطع لا. حيث تحرص أمريكا علي ألا تعطي مصر والسعودية نفس أنظمة الصواريخ جو/ جو، وجو/ أرض، والقنابل الموجهة التي تعطيها لإسرائيل في هذه الطائرات، بل تعطي مصر والسعودية أنظمة صواريخ أقل حداثة مما تعطيه لإسرائيل سواء من حيث التوجيه الذاتي أو المدي أو قوة وتنوع النيران، كما لا تعطي أمريكا الدولتين نفس التقنيات من حيث أنظمة إدارة النيران (رادارات إنذار ورصد وتوجيه وتعقب) التي تعطيها لإسرائيل، بل أقل مستوي تقني.. وهكذا تسعي أمريكا لإبقاء إسرائيل متفوقة تسليحيا علي المستوي التقني علي الدول الغربية التي تمدها أمريكا بنفس السلاح. لذلك فإن عقد مصر صفقة أسلحة مع روسيا سيكفل لمصر الحرية التامة في الحصول علي ما تريده من أنظمة تسليح روسية ذات تقنية عالية مساوية التقنية الأمريكية، ولكن بدون قيود أمريكية ولا إسرائيلية، الأمر الذي يقلل الفجوة التكنولوجية بين مصر وإسرائيل بدرجة كبيرة، وهذا أكثر ما يقلق إسرائيل وأمريكا، حيث يجعل القرار السياسي - العسكري المصري أكثر حرية عن السابق، وخياراته متعددة. فإذا أضفنا إلي ذلك حرص القيادات العسكرية في مصر وهي تعقد هذه الصفقة مع روسيا علي أن تشترط ضرورة تصدير تكنولوجيا تصنيع السلاح لمصر بحيث تكون قادرة علي تجميعه ثم تصنيعه بالكامل في داخل مصر خلال مرحلة زمنية محددة، وألا تكون صفقات السلاح مع روسيا مبرراً لتدخل الأخيرة في الشئون الداخلية لمصر، ولا قيداً علي علاقاتها الخارجية، يمكننا أن نفهم بسهولة سبب قلق وذعر إسرائيل من صفقة الأسلحة المصرية مع روسيا، لأنها كما ذكرنا آنفا تتعدي أبعاد إصلاح الخلل في الميزان العسكري إلي تحرر القرار السياسي المصري من أية قيود أمريكية. بل واستعداد مصر مستقبلا للاستغناء عن المساعدات العسكرية الأمريكية بشكل نهائي، وهو قمة تحرر القرار السياسي المصري من كامل الضغوط الأمريكية، وهو الأمر الذي حاول تقرير معهد الأمن الإسرائيلي أن يخفيه، ولكنه لم يستطع ذلك عندما قرر أن هذه الصفقة تهدد الأمن الإسرائيلي، بل ودعا الولايات المتحدة إلي ممارسة ضغوط علي روسيا لإيقاف هذه الصفقة وما سيتلوها بالطبع من صفقات أخري.
- إذن المعركة ليست معركة الديمقراطية التي تتباكي عليها واشنطن ومعها حلفاؤها في أوروبا وتركيا وقطر، أو الانقلاب علي نظام الحكم الإخواني البغيض الذي أسقطه الشعب المصري في ثورة 30 يونية، وما كان يمثله هذا النظام الإخواني من وسيلة وأداة رئيسية لتنفيذ أهداف ومخططات الشرق الأوسط الكبير وأسلوب الفوضي الخلاقة، والتي نجحت بشدة في دول شرق أوسطية أخري، ولكن فشلت في مصر، ولكن يتضح لنا أن المعركة الرئيسية التي تخوضها الدول المعادية لمصر إنما تستهدف بالأساس ضرب الجيش المصري وتدميره لكونه يقف عقبة كؤود في مواجهة تحقيق هذه الأهداف والمخططات، فإذا ما انكسر هذا الجيش - لا قدّر الله - فإنه سيسهل بعد ذلك تنفيذ مخططات الفوضي الخلاقة التي تؤدي تلقائيا إلي شيوع الفتنة والتقسيم والتجزئة وتمزيق مصر، وبالتالي تحقيق الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية علي بلدان المنطقة. وقد انكشف ذلك بوضوح فيما نشره الكاتب البريطاني الشهير (روبرت فيسك) في صحيفة الاندبندنت، حيث تلاحظ في مقال له بتاريخ 10 مايو تحت عنوان: «الديكتاتوريين والانتخابات» أن موضوعه لم يكن ترشح المشير السيسي للانتخابات في مصر، ولا بشار الأسد في سوريا، ولكن ركز في مقاله علي الجيش المصري وتسليحه وميزانيته، مُدعيا أنه لا يمكن مراقبتها، متسائلا لماذا تم تحصين منصب وزير الدفاع المصري في الدستور، متجاهلا في ذلك أن البرلمان البريطاني لا يستطيع بموجب الدستور أن يناقش تفاصيل الميزانية العسكرية للجيش البريطاني، نفس الأمر بالنسبة للكونجرس الأمريكي، ولا حتي في إسرائيل بالنظر لمقتضيات الأمن القومي للدولة. يتأكد من كل ذلك أن أهداف الهجوم الخارجي علي مصر اليوم تتمحور كلها ضد الجيش المصري باعتباره حائط الصد ضد نفاذ كل الأهداف والمخططات العدائية ضد مصر فإذا أضفنا لكل ذلك، ما أكد عليه المشير السيسي في أحاديثه الأخيرة أن الجيش المصري سيلبي فوراً نداء أي دولة عربية لمساعدتها في صد أي عدوان لا تقدر عليه، سواء كان إسرائيليا أو إيرانيا أو غير ذلك، لأمكننا أيضا أن نفهم أكثر وأكثر ونفسر مغزي الهجمة الشرسة التي يتعرض لها الجيش المصري من أعداء مصر في الخارج وطابورهم الخامس في الداخل.
- أما ما يدعيه تقرير معهد الأمن الإسرائيلي من أن صفقة الأسلحة الروسية لمصر سيصعب استيعابها في الجيش المصري لاختلاف العقيدة العسكرية الروسية عن العقيدة الأمريكية السائدة في الجيش المصري منذ الثمانينيات مع بدء حصول مصر علي الأسلحة الأمريكية، وكذا اختلاف القاعدة اللوجيستية التي تخدم هذه الأسلحة لاسيما في مجال الصيانة والإصلاح والتدريب، فإن هذه الحجة واهية ويدحضها الكثير من الحقائق، أولها أن العقيدة العسكرية للجيش هي عقيدة مصرية خالصة ولم تكن أبدا روسية ولا أمريكية، ولكن الجيش المصري في كل أكاديمياته وكلياته ومعاهده العسكرية، بل أيضا في تشكيلاته العسكرية يدرس ويتبع عقيدة عسكرية مصرية نابعة من البيئة المصرية ودروس وخبرات الحروب والمعارك التي خاضها الجيش المصري والجيوش الأخري في الدائرتين الإقليمية والدولية والعدائيات الرئيسية والمحتملة ضد مصر، أما فيما يتعلق باختلاف القاعدة اللوجيستية الروسية عن نظيرتها الأمريكية، فقد تجاهل التقرير حقيقة مهمة وهي أنه لاتزال هناك حوالي 40٪ من أنظمة التسليح المصري أصلها روسي، وبالتالي فإن قاعدتها اللوجيستية ذات الأصل الروسي متواجدة في الورش والتشكيلات المسلحة المصرية، هذا فضلا عن حقيقة تاريخية مهمة تتمثل في سرعة تحول الجيش المصري في الثمانينيات لاستيعاب الأسحلة الأمريكية، وتعديل قاعدته اللوجيستية بما يتواءم مع هذه الأسلحة حيث لم يستغرق هذا التحول وقتاً طويلاً.
- كذلك فإن ما أشار إليه التقرير الإسرائيلي من أن صفقة الأسلحة مع روسيا تسعي مصر من ورائها لتحقيق توازن في علاقاتها مع القوتين العظميين، وإيقاف اعتمادها الكامل علي السلاح الغربي، فإن ذلك صحيح تماما، بل هو حق مصري صميم يجب أن يسعي لتحقيقه صانع القرار السياسي في مصر، وإن لم يفعله فيجب أن يؤخذ عليه. أما القول إن روسيا تسعي من وراء ذلك إلي زيادة نفوذها في المنطقة خاصة في مصر، فإنه قول مردود عليه بأن ما تسعي إليه روسيا من زيادة تواجدها في المنطقة يرجع إليها، ولكن ما يهم مصر ألا يكون ذلك علي حساب استقلال وحرية الإرادة والقرار المصري، يتأكد هذا المفهوم المصري من أحداث التاريخ القريب في السبعينيات عندما كانت مصر تعتمد بشكل كامل علي الاتحاد السوفيتي سياسيا وعسكريا لتلبية متطلبات أمنها القومي، خاصة بعد هزيمة 1967، ولكن عندما أدركت القيادة العسكرية في مصر أن ذلك سيشكل قيداً علي حرية القرار السياسي المصري طالبت في عام 1972 بسحب جميع المستشارين والخبراء السوفييت من مصر، وكانوا بالآلاف آنذاك وتحقق لها ذلك، لذلك لم يستطع إسرائيلي ولا أمريكي واحد أن يزعم فضلا للسوفييت في انتصار حرب أكتوبر 1973، حيث كان عملا عسكريا مصريا خالصا من الألف إلي الياء.
- أما ما يحذر منه التقرير الإسرائيلي من أن صفقة الأسلحة مع روسيا ستستجلب رد فعل أمريكي سلبياً قد يمس بالعلاقات مع الولايات المتحدة، فإن الرد علي ذلك يتلخص في سؤال مهم هو: منذ متي لم تتعرض مصر لضغوط من الولايات المتحدة تستخدم فيها الأخيرة المساعدات العسكرية وسيلة ضغط مكشوف، ولكن مصر قاومتها واحتفظت بحرية قرارها السياسي؟ لقد رفضت مصر طلبات أمريكية عديدة سواء للاشتراك معها في الحروب في أفغانستان والعراق، أو لإقامة قواعد عسكرية وتسهيلات علي الأراضي المصرية، أو لمنع تنفيذ أحكام ضد عملاء أمريكا وإسرائيل، وآخر هذه الضغوط كانت بهدف عودة جماعة الإخوان للحكم أو مشاركتها في الحياة السياسية والإفراج عن زعمائها والنشطاء السياسيين المحكوم عليهم والذين ثبتت عمالتهم لأمريكا، فقد رفضت مصر كل هذه المطالب الأمريكية بإيقاف المساعدات العسكرية، بل أوقفتها أمريكا فعلا، فماذا كانت النتيجة؟ لم تستجب مصر لهذه الضغوط رغم أن ممارستها ضدها بواسطة واشنطن وحلفائها كانت في أوقات صعبة تمر بها مصر ولاتزال، وأبرمت صفقتها مع روسيا حفاظاً علي كفاءة وقدرات قواتها المسلحة، الأمر الذي تنبهت له واشنطن مؤخراً وسعت إلي فتح صفحة جديدة لمصر بدءاً بالإفراج عن العشر مروحيات أباتشي.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق