2012-04-02

الصراع بين العسكر والإخوان ..تاريخ يعيد نفسه !


الصراع بين جماعة الإخوان المسلمين والعسكر اختصره الرئيس الراحل محمد نجيب في ربع ورقة من مذكراته بقوله :"إن الإخوان لم يُدركوا حقيقة أوليّة هي إذا ما خرج الجيش من ثكناته فإنّه حتماً سيُطيح بكل القوى السياسية والمدنية، ليُصبح هو القوّة الوحيدة في البلد وأنه لا يُفرّق في هذه الحالة بين وفدى وسعدي ولا بين إخواني وشيوعي "، مضيفاً أنّ :"كل قوّة سياسية عليها أن تلعب دورها مع القيادة العسكرية ثم يُقضى عليها! لكن.. لا الإخوان عرفِوا هذا الدرس ولا غيرهم استوعبه! ودفع الجميع الثمن".
وعلى مر تاريخهما منذ خمسينات القرن الماضي وحتى الآن يبدو أن مارس هو شهر الأزمات بين العسكر والإخوان، ففي مارس 1954 اندلعت الأزمة الأولى عقب ثورة يوليو 1952، عندما احتدم الصراع على السلطة بين الإخوان ومجلس قيادة الثورة.
وحين تعرض عبد الناصر لمحاولة اغتيال في المنشية بالإسكندرية اتهم عناصر من الإخوان المسلمين، وترتب على ذلك، فضلاً عن الحل، اعتقال قيادات إخوانية وإصدار أحكام بالسجن لمجموعة من أبرز رجال الجماعة، إضافة إلى إعدام مجموعة أخرى قيل إنها بلغت 55 فردًا.
وقبل حادث المنشية بعام واحد تعرض مرشد الجماعة المستشار مأمون الهضيبي للاعتقال في عام 1953 مع بعض عناصر الجماعة ثم أفرج عنه، وبعد أحداث المنشية تعرض للاعتقال مجددًا وحكم عليه بالإعدام شنقًا ثم خُفف الحكم.
وفى عام 1965 أعاد عبد الناصر اعتقال الرجل مرة جديدة وهو في الرابعة والسبعين من عمره، بتهمة إحياء التنظيم، واستمر في محبسه حتى عام 1971 قبل أن يتوفى في عام 1973.
وحين جاء الرئيس الراحل أنور السادات شهدت الجماعة فاصلا جديدا في العلاقة مع العسكر، بقيادة المرشد الجديد عمر التلمسانى، اتسم في بدايته بود شديد أمّا النهاية فكانت في المعتقلات للمرة الثانية.
وكان أشهر صدام بين الإخوان والسادات أثناء اللقاء الفكري للرئيس السادات بالإسماعيلية يوم 28 رمضان عام 1979 ، حينما كال السادات الاتهامات للإخوان بالتخريب والعمالة وإثارة الطلبة، والعمالة والفتنة الطائفية .
حينها رد التلمساني قائلاً:" لو أن غيرك وجه إلىّ مثل هذه التهم لشكوته إليك، أما وأنت يا محمد يا أنور يا سادات صاحبها، فإني أشكوك إلى أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين".
وهنا رد السادات: "إنني لم أقصد الإساءة إلى الأستاذ عمر ولا إلى الإخوان المسلمين... اسحب شكواك بقى"، فأجابه بأنها رفعت إلى من لا أستطيع استرداد ما وضعته بين يديه".
الصدام الثاني كان هجوم التلمساني على السادات في مجلة الدعوة وكان يتضمن نقداً لاذعًا للرئيس وللقيود السياسية التي فرضها على الأحزاب، وتم اعتقال التلمسانى في 1981 قبل مقتل السادات، ورحل المرشد عام 1986 في حقبة الرئيس المخلوع حسنى مبارك.
وفى عصر المخلوع، الذي استمر منذ 1981 وحتى قيام ثورة الخامس والعشرين من يناير عام 2011، تعاقب بعد رحيل التلمسانى خمسة مرشدين للإخوان هم: محمد حامد أبو النصر ومصطفى مشهور ومأمون الهضيبى ومحمد مهدي عاكف ومحمد بديع المرشد الحالي.
محمد أبو النصر، بدأ في عهده التيار الإصلاحي داخل الجماعة في البزوغ، واصطدم مع النظام السابق أكثر من مرة، غير أن مبارك لم يكن يحبذ الصدام العلني مع قيادات الإخوان المسلمين.
وأطلق نظام المخلوع على الجماعة مصطلح "المحظورة" الذي انتشر في الصحف والإعلام في عهد مرشدها أبو النصر، وبدأ الصدام في الانتخابات النيابية عام 1987 إذ تحالفت مع حزبي العمل والأحرار، مما أتاح لها دخول 36 نائباً إلى مجلس الشعب.
كما خاضت الجماعة التجديد النصفي لمجلس الشورى عام 1989 وقاطعت انتخابات البرلمان سنة 1990 وتبعتها بقية أحزاب المعارضة احتجاجا على استمرار العمل بقانون الطوارئ.
الصدام المباشر مع رأس السلطة كان عام 1993، حين رفضت قيادة الجماعة التجديد للمخلوع لفترة رئاسية ثالثة مما ترتب عليه إحالة قيادات الجماعة للمحاكم العسكرية وحبس عدد منهم.
وفي ولاية المرشد مصطفى مشهور بعد وفاة أبو النصر في يناير 1996 لم يكن مُبارك، في مرمى انتقادات الإخوان إذ ظلت الانتقادات طوال فترة حكم الرئيس المخلوع ينال أغلبها رؤساء الوزارة أو وزراء بعينهم مثل وزير الداخلية وغيره.
وبعد وفاة مشهور وتولي الإرشاد مهدي عاكف نشرت مجلة حكومية حوارًا قبيل الانتخابات الرئاسية جاء عنوانه: "نؤيد ترشيح مبارك للرئاسة.. وأتمنى الجلوس معه"، غير أن عاكف نفى صحة هذا العنوان.
بعد الثورة، تغيرت المعادلة السياسية، صعد إلى الحكم المجلس العسكري بتكليف من الرئيس المخلوع، وفكّت جماعة الإخوان المسلمين القيود التي كبلتها طوال فترة حكم المخلوع، وأنشأت حزبًا سياسيًا حمل اسم "الحرية والعدالة".
وبينما تلاحمت المليونيات واحدة تلو الأخرى للتنديد بممارسات للمجلس العسكري وبوضع عراقيل أمام التحول الديمقراطي، آثر الإخوان الابتعاد سريعًا عن المشهد الثوري، وانسحبت الجماعة تمامًا من الشارع، ووقفت موقفا سلبياً تجاه ممارسات العسكر وقمع الثوار التي وصلت إلى حد تعرية نساء مصر وسحلهن للمرة الأولي في التاريخ.
ثم أطلقت في نهاية مايو الماضي بيانًا حمل تخوينًا للقوى الثورية المشاركة فى إحدى المظاهرات ووصفتها بـ«جمعة الوقيعة» فى إشارة إلى احتمال حدوت شرخ فى علاقة الشعب بقواته المسلحة.
واشتهر تصريح أطلقه المرشد الحالي الدكتور محمد بديع يغازل العسكري جاء فيه:" لو بيننا وبين العسكري شعرة لأرخيناها"، إلا أن الشعرة كانت من الضعف أمام تأزم الوضع بين الإخوان والمجلس العسكري.
ومؤخرا، أطلت أزمة سحب الثقة من حكومة الجنزوري برأسها بعد أن أصرت الجماعة على إقالتها في حين تمسك بها العسكر، ثم طفت أزمة تأسيسية الدستور على السطح، وكشر العسكر عن أنيابهم، فكشر الإخوان وأسرعوا بترشيح المهندس خيرت الشاطر للرئاسة للحيلولة دون سطو العسكر على الثورة وإعادة سيناريو 54.
فهل يقبل العسكر الهزيمة بروح رياضية،وتُحل الأزمة ويصبح الشاطر مكان مبارك، أم يلقى بديع مصير الهضيبى في غياهب السجون، وينفذ العسكر تهديدهم في البيان الأخير ويعيد التاريخ نفسه.. سؤال تجيب عنه الأيام القليلة المقبلة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق