2012-05-10

غراميات وفضائح مبارك ورجاله في باريس



في كتابه «سقوط مبارك ومن بعده المتأسلمين» يرصد علاء حيدر الكاتب الصحفي بوكالة أنباء الشرق الأوسط العديد من المواقف التي كانت تمارس من الرئيس المخلوع حسني مبارك ورجال نظامه أثناء زيارتهم لفرنسا والتي كان يعمل بها الصحفي مراسلاً للوكالة لمدة 5 سنوات من عام 2001 وحتي 2006.
 ويكشف الكاتب كيف كان مبارك يستهزئ بقضايا مصر الحيوية في إفريقيا وأنه كان يطلب من الصحفيين معرفة ما دار في محادثاته مع الرؤساء الأفارقة خلال قمة فرنسا-إفريقيا عام 2003 بباريس من صفوت الشريف وزير الإعلام آنذاك والذي لم يحضر المحادثات أصلاً. كما يشير الكاتب في كتابه إلي حجم الفساد الذي كان يمارسه رجال النظام المنحل وعلي رأسهم عمر سليمان الذي يريد أن يكمل مشوار رئيسه المخلوع وأحمد شفيق أيضاً الذي دمر الطيران المصري وفتحي سرور بالإضافة إلي رصد لتصرفات علاء وجمال مبارك واللذين كانا يذهبان مع والدهما إلي فرنسا للاطمئنان علي شركاتهما الاقتصادية. يري الصحفي علاء حيدر أن المشكلة تكمن في أن مصر اختزلت طوال تاريخها في شخصية الحاكم الذي يحكمها، وقد كانت أكبر كارثة حلت بمصر في تاريخها الحديث، أن اختزلت في شخصية حسني مبارك، فاقد الطموح لمدة 30 سنة، فمبارك محدود الفكر والتفكير لم يكن يدرك أنه يحكم دولة كبري في محيطها العربي والإفريقي والاقليمي، دولة تتمتع بثقل دولي وتاريخ عريق وموارد بشرية وطبيعية هائلة، بل كان يعتقد أنه يحكم دويلة صغيرة الحجم، مثل دويلة جيانا التعاونية أو دولة هامشية مثل سورينام. لم يجد علاء حيدر للاستشهاد علي مدي افتقار مبارك لأي قدر من الطموح أفضل من تذكر فترة عمله مراسلاً صحفياً لمؤسسته الصحفية القومية بباريس لمدة 6 سنوات في الألفية الجديدة، فخلال تلك الفترة حل مبارك ضيفاً علي فرنسا أكثر من 20 مرة، لم يفكر خلالها في القيام بزيارة أي مصنع أو مؤسسة أو شركة فرنسية كبري مثل ايرباص، وداسو، وتومسون، وأريفا، ورينو، وبيجو، سيتروين ليري بأم عينيه كيف تقدمت فرنسا، وأصبحت واحدة من أكبر خمس دول في العالم علي الأصعدة الاقتصادية والسياسية والعسكرية، رغم أن مساحتها تزيد بالكاد عن نصف مساحة مصر، ولايزيد عدد سكانها علي 63 مليون نسمة، فكل ما كان يفعله مبارك خلال زياراته المتكررة لفرنسا، هو التحذير الممل من مغبة الجمود الذي يعتري عملية السلام بين الإسرائيليين والفلسطينيين، والخضوع للكشف الطبي لدي الأطباء الفرنسيين المتميزين، وإجراء التحليلات الطبية الدورية، وإتاحة الفرصة لأعضاء الوفد المرافق له للتسوق والعودة علي الطائرة الرئاسية وهم محملين، بما خف وزنه، وثقل ثمنه، من دون تسديد جمارك. ضحك علاء حيدر بسخرية من شدة غيظه عندما تذكر كيف كان مبارك، فاقد الطموح يأخذ الأمور الأكثر جدية، باستهتار، واستخفاف، وتسطيح، وتبسيط، وتتفيه، حتي لو كان الأمر يتعلق بأهم عامل من عوامل الحياة بالنسبة لمصر والمصريين منذ فجر التاريخ، وهو نهر النيل. فعندما انتهي مبارك من مقابلة بعض الرؤساء الأفارقة خلال قمة «فرنسا-إفريقيا» التي عقدت عام 2003 بباريس سأله علاء حيدر برفقة ثلاثة صحفيين آخرين عن مضمون محادثاته مع الزعماء الأفارقة، فكانت إجابته بكل استهتار واستهزاء بمصر وشعبها ومصالحها الحيوية في إفريقيا حيث ينبع النيل مصدر الحياة للمصريين «اسألوا وزير الإعلام صفوت الشريف فهو لم يحضر أياً من هذه المحادثات لكنه سيطلعكم علي كل ما دار فيها بالتفصيل». والغريب أن صفوت الشريف أدلي لعلاء حيدر ومن معه من الصحفيين بتصريحات تافهة مكررة تفتقر للمهنية، تتعلق بإشادة الزعماء الأفارقة بحكمة الرئيس مبارك ورؤيته الثاقبة، والجهود الحثيثة التي يبذلها لدعم العلاقات المصرية-الإفريقية والتعاون الإفريقي-الإفريقي، وخططه المستقبلية للنهوض بالقارة السمراء، ليجد علاء حيدر هذه التصريحات «الشريفية» الركيكة التافهة وقد احتلت المانشيتات الرئيسية لجميع الصحف القومية ونشرات الأخبار في الإذاعة والتليفزيون الحكوميين. أما الكارثة الحقيقية فهي أن مبارك والشريف وهما أهم مسئولين في النظام المخلوع، لم يشعرا بارتكاب أي جرم في حق مصر، بعد أن استهزءا وسطحا وتفها واستهانا بمصالحها الحيوية في القارة الإفريقية في وقت كانت قد بدأت تتداول فيه معلومات عن عزم إثيوبيا اقامة سد النهضة علي نهر النيل، مما يهدد بانتقاص حصة مصر من المياه. واصل علاء حيدر التعبير عن دهشته لنفسه حيال قدر الاستخفاف الذي كان يتعامل به مبارك ورجاله حيال قضايا مصيرية تخص الأمن القومي المصري مثل قضية مياه النيل، فتواصل شريط ذكريات فترة عمله الصحفي في باريس أمام عينيه، عادت لمخيلة علاء حيدر كيف كانت تصريحات صفوت الشريف عن محادثات لم يحضرها لمبارك مسار السخرية حتي داخل النظام نفسه. ففي إحدي المرات التي زار فيها الدكتور مفيد شهاب باريس عندما كان يشغل منصب وزير التعليم العالي سخر شهاب من صفوت الشريف قائلاً لعلاء حيدر «ألم يدل لك صفوت الشريف بتصريحات صحفية عن محادثات أجراها الرئيس مبارك لم يكن صفوت الشريف طرفاً فيها؟» قبل أن يطلق مفيد شهاب ضحكة تهكمية مدوية في مقر منظمة اليونسكو بباريس حيث ألقي أمامها كلمة مصر، وعلي الرغم من أن مفيد شهاب يعد من رجال النظام السابق، إلا أن مصر لا يمكن أن تنسي له دفاعه القومي عن حقوقها في مواجهة إسرائيل، حتي تمكنت من تحرير طابا بالطرق القانونية. لم يستطع علاء حيدر أن يمنع نفسه من الضحك من جديد، لكن هذه المرة بشأن زكريا عزمي، تذكر علاء حيدر كيف كان الحزب الحاكم في فرنسا «الاتحاد من أجل الحركة الشعبية» يحتفي بزكريا عزمي في كل زيارة يرافق فيها الرئيس مبارك لباريس، باستقبال حار بتقديم هدية قيمة له عبارة عن فاتنة فرنسية شقراء ملفوفة القوام اشتهرت في فندق ماريوت باريس بشارع الشانزليزية حيث اعتاد أن ينزل فيه الوفد المرافق لمبارك، بأنها «المزة أم ثدي بتاعة زكريا عزمي» في اشارة للفستان «الديكولتيه» الذي كان يظهر من صدرها المنتفخ أكثر بكثير مما يخفي. ورغم أن بعض أعضاء الوفد المصري حرصوا علي تبديد أي أفكار سيئة قد تتبادر إلي مخيلة البعض بشأن هذه «المزة» بالتأكيد علي أنها زوجة المسئول الحزبي الفرنسي الذي يحرص علي الاحتفاء بزكريا عزمي، وهو بالمناسبة من أصول لبنانية ويجيد العربية، إلا أن ذلك التبرير لم يمنع الجميع من اطلاق لقب «مزة زكريا عزمي أم ثدي نافر» علي هذه السيدة الشقراء ملفوفة القوام. تواصل شريط ذكريات علاء حيدر بشأن زكريا عزمي فقفزت إلي ذاكرته ملحمة قيام زكريا عزمي بإطلاق الحرس الخاص لمبارك علي المصورين لينتزع منهم الأفلام التي التقطت لمبارك وهو علي وشك السقوط علي سلم الطائرة الرئاسية، فور وصوله لباريس في إحدي زياراته المتكررة للعاصمة الفرنسية. كان مبارك قد تعثر وهو ينزل علي سلم الطائرة، لكن السفير علي ماهر سفير مصر في باريس في ذلك الوقت، تمكن من الامساك به من الخلف قبل أن يسقط بشكل تام. وكان مصور تونسي يعمل بالقطعة في معهد العالم العربي بباريس قد تمكن من خداع حرس مبارك بإخفاء الفيلم الذي سجل به اختلال توازن مبارك علي سلم الطائرة وارتسام علامات الفزع والرعب علي وجهه، باستبداله بفيلم فارغ، وعندما علمت أجهزة مبارك بذلك بعد عدة أيام علي الحدث، ساومته للحصول علي الفيلم الذي سجل به تعثر مبارك في عدة لقطات حفاظاً علي هيبة الرئيس خشية بيعه لمن يدفع أكثر من وسائل الإعلام خاصة أن قناة «الجزيرة» القطرية كانت علي استعداد لدفع ما يريد، فاكتفي المصور التونسي بالمطالبة بتثبيته كمصور صحفي معتمد في معهد العالم العربي بباريس، وقد حصل المصور التونسي علي ما أراد، ولم لا وقد كان مدير المعهد آنذاك شخصية مصرية ثقافية ذات خلفية عسكرية وهو المرحوم ناصر الأنصاري. وقد بادر زكريا عزمي منذ تعثر مبارك علي سلم الطائرة الرئاسية بإعطاء أوامر واجبة النفاذ للتليفزيون المصري ومصوري الرئاسة بعدم التقاط أي صور لمبارك وهو بصدد النزول علي سلم الطائرة، ليصبح بذلك هذا الأمر ثاني فرمان واجب التنفيذ، يصدره زكريا عزمي للمصورين، بعد الفرمان الأول الذي يحظر تماماً تصوير مبارك وهو يضحك لأنه يشبه في وضع الضحك البقرة الضاحكة الموضوعة علي علب الجبن الفرنسية الشهير «لافاش كيري». وعلي الرغم من فرمان زكريا عزمي بعدم تصوير مبارك وهو يضحك إلا أن الصحفي علاء حيدر يحتفظ في ذلك في أرشيف صوره الخاص، بصورة لمبارك وهو يبتسم له عندما كان في استقباله في باريس بصفته مراسلاً لمؤسسته الصحفية القومية، وكثيراً ما يدقق علاء حيدر النظر في هذه الصورة ليري ملامح وجه مبارك وهو يبتسم وقد اقتربت بشكل كبير من ملامح البقرة الضاحكة، فيتساءل في نفسه قائلاً: «إذا كانت مجرد ابتسامة قد اقتربت بمبارك إلي هذا الحد من الشبه بالبقرة الضاحكة فماذا لو ضحك ضحكة مدوية؟». ثم تذكر علاء حيدر بعد ذلك إلي أي حد بلغت شدة تدخل النفوذ الأمريكي في مصالح مصر العليا خلال حكم المخلوع، وتغليب المصالح الشخصية علي المصالح القومية، من أجل الحصول علي العمولات، علي ما يبدو فعندما بدأت شركة مصر للطيران محادثات في باريس في الفترة السابقة لعام 2005 مع شركة إيرباص الأوروبية لشراء صفقة طائرات إيرباص جديدة، طرحت شركة إيرباص أمام مصر خيارين، إما أن تطير هذه الطائرات الأوروبية الصنع بمحرك أوروبي خالص، إما أن تزود بمحرك تصنعه شركة «رولزرويس» البريطانية التي تمتلك الولايات المتحدة أكثر من 20%من رأس مالها وكان علاء حيدر قد بادر بتحذير رئيس تحرير مؤسسته الصحفية القومية، وكان يشغل هذا المنصب آنذاك الأستاذ محفوظ الأنصاري، من مغبة تزويد الطائرات المصرية من طراز إيرباص بمحركات «رولزرويس» لأن ذلك سيعطي الحق للولايات المتحدة بفرض حظر علي بيع قطع الغيار للطائرات الإيرباص الأوروبية لمصر في حال نشوب أي خلاف أو توتر في العلاقات المصرية-الأمريكية، مثلما حدث مع إيران فالقوانين الأمريكية تنص علي أن كل شركة أو مجموعة شركات، حتي لو كانت متعددة الجنسيات تمتلك الولايات المتحدة فيها نسبة تساوي أو تزيد علي نسبة 20% من رأس مالها، يحق لها الاعتراض علي قراراتها وإخضاعها لمصالحها. ويعني ذلك أنه في حال نشوب أي خلاف جوهري بين مصر والولايات المتحدة، فإن مصر يمكن أن تواجه كارثة توقف أسطولها الجوي بالكامل عن الطيران، لأنه سيكون من حق الولايات المتحدة في هذه الحالة فرض حظر علي بيع قطع الغيار للطائرات المصرية الايرباص أوروبية الصنع التي تطير بمحركات «رولزرويس» إلي جانب حقها الطبيعي في فرض حظر علي بيع قطع الغيار للطائرات المصرية من طراز بوينج التي تصنعها الشركات الأمريكية. واصلت الذاكرة الفكاهية لعلاء حيدر إفراز مخزونها الدفين بشأن أساطيل النظام السابق خلال زياراتهم المتكررة لفرنسا، فكان البطل هذه المرة هو عمر سليمان رئيس جهاز المخابرات السابق. ضحك علاء حيدر بشدة عندما تذكر لماذا كان يطلق خالد بكير رئيس مجلس الإدارة الحالي لصحيفة «الجمهورية» علي عمر سليمان لقب «محطة المطار السري» عندما كان ينزل في فندق «ماريوت» باريس خلال زياراته المتكررة لفرنسا برفقة الرئيس المخلوع، فقد عرف عن عمر سليمان ضعف قدرته علي تحمل برودة الجو في أوروبا، ولذلك فقد كان يتخذ كل التحصينات اللازمة لتدفئة نفسه، وإذا كان الذين يعانون من ضعف تحمل البرودة يحرصون علي تدفئة أجسامهم بارتداء الملابس الثقيلة، إلا أن عمر سليمان كان يحرص علي تدفئة «صلعته» الشهيرة بنفس القدر من الحرص علي تدفئة جسمه، فعندما كان عمر سليمان يدخل فندق «ماريوت الشانزليزية» حيث التدفئة العالية مقارنة ببرودة الجود في شوارع باريس في فصل الشتاء، فإنه كان يسارع بخلع البالطو الصوف الإنجليزي السميك ليعطيه لرجل المخابرات المصاحب له علي يمينه، ثم يبادر أيضاً بخلع «البرنيطة» الصوف السميكة ليعطيها لرجل المخابرات المصاحب له علي يساره، والاثنان ينتميان لجهاز المخابرات لكن بسري سري تحت غطاء دبلوماسي من السفارة المصرية بباريس، وعندما يسأل البعض خاصة الصحفيين العرب عن نوعية مهام الرجلين المصاحبين لعمر سليمان، كان خالد بكير الذي كان يشغل حينذاك منصب المستشار الإعلامي المصري بباريس، يجيب بروح الدعابة المعروفة عنه «أنهما محطة المطار السري» في اشارة إلي المطارات السرية التي كانت تبنيها مصر وسط المزارع لاخفاء الطائرات الحربية عن أعين إسرائيل في أعقاب نكسة 1967، قبل أن تبني مصر حائط الصواريخ القوي الذي منع بعد ذلك سلاح الجو الإسرائيلي من مجرد التفكير في الاقتراب من العمق المصري، وكان من أحد أهم أسباب انتصار مصر في حرب أكتوبر 1973، والطريف في ذلك الوقت أن كمسارية الأوتوبيسات العامة كانوا يصيحون عندما تتوقف أوتوبيساتهم بالقرب من هذه المطارات السرية قائلين «محطة المطار السري» لتنتفي بذلك أي سرية عن هذه المطارات مثلما انتفت أي سرية عن رجلي المخابرات عندما حمل أحدهم البالطو لعمر سليمان وحمل الثاني البرنيطة لحماية «قرعته» الشهيرة من الصقيع. وقد كان أحمد صلاح الملحق الإعلامي المصري بباريس آنذاك من أكثر المصريين شعوراً بالغضب حيال اهتمام عمر سليمان بتدفئة صلعته أكثر من اهتمامه بسرية مهام رجاله وكاد أن يلفت نظره أكثر من مرة حيال ما يرتكبه من خطأ فادح غير أنه كان يتراجع في اللحظات الأخيرة. وقد تبادر إلي ذهن الصحفي علاء حيدر شخصية مهمة في نظام الرئيس المخلوع التقي بها كثيراً في باريس، ومن قبلها في داكار عندما كان مراسلاً لمؤسسته القومية في السنغال في التسعينيات من القرن الماضي، وهو سامي مهران أمين عام مجلس الشعب، يتوقع علاء حيدر أن يطيح النواب المتأسلمون بسامي مهران من منصبه فور سيطرتهم علي مجلس الشعب، لكونه الذراع اليمني لرئيس مجلس الشعب السابق، فتحي سرور أحد أهم رموز الفساد في النظام المخلوع. فلا يتخيل علاء حيدر أن يبقي النواب المتأسلمون علي سامي مهران ولو للحظة واحدة حتي لو وعدهم بمنحهم نفس الامتيازات والمخصصات والرواتب التي كان يتحصل عليها النواب الفاسدون خلال حكم مبارك، من أموال دافعي الضرائب وقد زادت قناعة علاء حيدر بحتمية قرب قيام النواب الجدد، وغالبيتهم العظمي من المتأسلمين، بالإطاحة بسامي مهران من منصبه بعد أن قرر نواب البرلمان الفرنسي تخفيض رواتبهم بنسبة 20% في تعبير عملي عن تضامنهم مع المواطن الفرنسي في مواجهة الصعوبات الاقتصادية التي يواجهها نتيجة الأزمة الاقتصادية التي تمر بها فرنسا وأوروبا فلا يعقل أن يبادر النواب الفرنسيون «الكفرة بتخفيض رواتبهم ولا يفعل ذلك النواب المصريون» المؤمنون خاصة أن هذه المخصصات كان يتحصل عليها دون وجه حق نواب النظام الفاسد. فلم يكن سامي مهران يزور باريس إلا ويحرص علي الاتصال بعلاء حيدر من القاهرة ليكون في استقباله في مطار أورلي أو شارل ديجول بسيارته المرسيدس، حتي تكتمل له الوجاهة إلي جانب السيارة التي كان يخصصها له المكتب الإعلامي المصري بباريس. تذكر علاء حيدر جيداً كيف كان ينزل سامي مهران في شقة فاخرة في باريس لا تقل مساحتها عن 300 متر تطل مباشرة علي نهر السين. رغم أن سامي مهران كان ينفي أمام علاء حيدر أن تكون هذه الشقة الفاخرة من ممتلكاته الخاصة مؤكداً أنها ممتلكات قريب له اعتاد أن يهديها له ليمضي فيها إجازاته في باريس إلا أن علاء حيدر كان يحسب بالورقة والقلم ثمن هذه الشقة ليجد أن ثمنها لا يقل عن 15 مليون جنيه مصري. ولم يكن من الممكن أن يتذكر علاء حيدر اسم سامي مهران، من دون أن يتذكر شخصية فتحي سرور خاصة أن سامي مهران ظل رجل فتحي سرور الأول منذ أن جلس فتحي سرور علي عرش مجلس الشعب منذ 21 عاماً. وقد بلغ من قدر هذا العشق أن فتحي سرور لم يكن يسافر إلي أي دولة من دول العالم إلا ويتوقف في باريس سواء في طريق الذهاب أو في طريق العودة سواء كانت هذه الدولة تقع في أوروبا أو إفريقيا أو آسيا أو حتي الأمريكتين. تذكر الصحفي علاء حيدر مدي «تفاهة» فتحي سرور وعدم إدراكه للانتماءالوطني وللصناعات الوطنية في واقعة كانت بطلتها هذه المرة زوجة فتحي سرور وقد جرت أحداث هذه الواقعة في فندق «ماريوت الشانزليزية» بحضور علاء حيدر. ففي إحدي الزيارات التي حل فيها فتحي سرور ضيفاً علي الحكومة الفرنسية فوجئ علاء حيدر بفتحي سرور يقول لزوجته باهتمام بالغ «سوف تتنزهين في باريس هذه المرة بسيارة أكثر فخامة من السيارة التي ستخصص لي». وسرعان ما تحقق ما قاله بالفعل فقد خصصت الحكومة الفرنسية لفتحي سرور سيارة «رينو» فاخرة طراز «فيل ساتيس» بوصفه ضيفاً عليها، فيما خصصت السفارة المصرية له سيارة مرسيدس «كلاس أس» وهي بالقطع أكثر فخامة من السيارة «الرينو» مهما علا شأن طراز «الرينو» وقبل أن يركب فتحي سرور السيارة «الرينو» من أمام «ماريوت الشانزليزية» متوجهاً إلي مقر البرلمان الفرنسي للالتقاء برئيسه، ذهب فتحي سرور لزوجته، وهي تهم بركوب المرسيدس الفاخرة قائلاً لها: «ألم أقل لك أنك ستتنقلين في باريس هذه المرة بسيارة أكثر فخامة من سيارتي». وقد حظي أحمد عز ملك الاحتكارات في نظام مبارك بمكانة خاصة في شريط ذكريات فترة عمل الصحفي علاء حيدر بباريس تذكر علاء حيدر كيف كانت تتداول القصص التي تتهم أحمد عز باستغلال طائرات مبارك الرئاسية في تهريب الآثار إلي فرنسا حيث كانت تباع بمئات الملايين من اليورو بعيداً عن أعين السلطات الفرنسية والمصرية، ويجب التنبيه هنا قبل أن يتم الكشف عن هذه المعلومات الخطيرة أن يؤخذ في الاعتبار شيئان مهمان.. أولاً: أن علاء حيدر لم يتسن له التأكد من تورط أحمد عز في عمليات تهريب الآثار بشكل قاطع، لأن هذه القصة التي سيأتي سردها بعد قليل تم تداولها علي ألسنة المصريين المقيمين في فرنسا من دون أن يري علاء حيدر شيئاً بأم عينيه، وثانياً: أن الرئيس المخلوع لم يكن يتنقل بطائرة رئاسية واحدة كما يعتقد عامة المصريين، بل كانت تخصص له طائرتان رئاسيتان، وأحياناً ثلاث طائرات رئاسية في الرحلات الخارجية الطويلة، فالطائرة الرئاسية الأولي كان يطلق عليها طائرة المقدمة، وهي طائرة كانت تحمل الحرس الخاص لمبارك بمعداتهم وأسلحتهم فضلاً عن السيارة المرسيدس المصفحة، التي كان يصطحبها معه لاستخدامها في حال رأي المسئولون عن أمنه الشخصي، أن السيارة التي خصصتها الدولة المضيفة له لا توفر للرئيس الأمن المطلوب ثم تأتي طائرة الوسط، وهي الطائرة الرئاسية التي تنقل مبارك وأمتعته وبعض أفراد أسرته والشخصيات المقربة منه أمثال أحمد عز وحسين سالم وزكريا عزمي علي وجه الخصوص ثم أخيراً طائرة المؤخرة التي تحمل الموظفين في الرئاسة وكاميرات التليفزيون والمصورين الذين يرافقون الرئيس مبارك بشكل دائم. تقول هذه القصة إن أجهزة المخابرات الفرنسية شكت في إحدي المرات التي زار فيها مبارك العاصمة الفرنسية باريس في وجود آثار فرعونية داخل مجموعة صناديق كبيرة كانت علي متن طائرة المقدمة التي تهبط عادة قبل طائرة مبارك الرئاسية بنحو نصف ساعة، وعندما بدأت عملية إنزال هذه الصنايق طلبت الأجهزة الفرنسية معرفة ما بداخلها، لكن الفريق الأمني المكلف بطائرة المقدمة رفض تماماً السماح للفرنسيين بفتح هذه الصناديق واعتبر أن مجرد التفكير في فتحها يمثل إهانة للرئيس مبارك، وهدد بإلغاء زيارة الرئيس لفرنسا، أطلع القائد الاستخباراتي الفرنسي المكلف بمراقبة اقامة مبارك في باريس أجهزة بلاده برفض المصريين السماح لرجاله بتفتيش الصناديق التي تم إنزالها من طائرة المقدمة، فطلب منه التغاضي عن هذا الإجراء لتفادي حدوث أزمة في العلاقات بين البلدين الصديقين، علي أن يتم متابعة الوجهة التي ستستقر عندها هذه الصناديق، تقول القصة التي تداولت علي ألسنة المصريين في باريس إن هذه الصناديق توجهت بعد أن تم السماح لها بدخول الأراضي الفرنسية من دون تفتيش، إلي صالة بيع آثار المزادات الفرنسية الشهيرة «دروو» التي كثيراً ما تتهم ببيع آثار مهربة لدرجة أن قوات الأمن الفرنسية أحالت بعض المسئولين عنها للمحاكمة أكثر من مرة. وتؤكد نفس المصادر أن الأجهزة الفرنسية كشفت عن أن رجلاً قصير القامة يدعي أحمد عز كان برفقة مبارك علي متن الطائرة الرئاسية توجه في اليوم التالي من وصول مبارك إلي الأراضي الفرنسية إلي صالة مزادات «دروو» بوسط العاصمة باريس حيث اتفق مع المسئولين عن الصالة علي بيع هذه الآثار، التي يقال إنها قدرت آنذاك بمئات الملايين من اليورو ويبقي السؤال المهم وهو: هل استخدم أحمد عز عائدات بيع آثار مصر في شراء شركة الدخيلة للصلب ليضمها لإمبراطوريته التي تحتكر نسبة 75% من إنتاج مصر من الصلب؟!.. لا أحد يمكن أن يجزم بذلك لكن الشيء المؤكد هو أن أحمد عز كان قد أثار ضجة كبيرة في مصر عندما طالب بحرية الاتجار في الآثار المصرية. اختتم الصحفي علاء حيدر شريط ذكرياته في باريس بملك البيزنس في الأسرة الحاكمة علاء مبارك وتوقف كثيراً عند حدث مهم كان شاهد عيان عليه خلال إحدي الزيارات التي رافق فيها علاء مبارك والده إلي فرنسا، تذكر علاء حيدر كيف فوجئ عندما توقف علاء مبارك أمامه فجأة علي رنة تليفونه المحمول في ساحة قصر «ماريني» بباريس حيث ينزل الرئيس المخلوع ثم بدأ في إبلاغ محدثه وهو في الغالب زوجته بأن الشقة التي ينتوي شراءها في باريس مطلوب فيها 10 ملايين يورو «80 مليون جنيه مصر تقريبا» وهو مبلغ يراه مبالغا فيه رغم رحابة الشقة التي تقترب من 300 متر مربع «دوبلكس» إضافة إلي موقعها المتميز الكائن بأحد الشوارع الشهيرة القريبة من قوس النصر بوسط باريس. لم يكن علاء مبارك يتخيل وهو يتحدث من دون حذر أن علاء حيدر ما هو إلا صحفي مصري فهم كل ما قاله وليس فرنسياً كما كان يعتقد.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق