2026-03-28

حكاية نافذة وألوان


هل ضاعت الفطرة في زحمة الشعارات؟

حين وقفتُ خلف نافذة منزلي، أراقب أطفالنا وهم يكبرون في هذا البلد الذي نطلب فيه الستر والأمان لأسرنا، لم يكن المشهد أمام عيني مجرد صدفة؛ بل كان مواجهة حقيقية مع واقع يفرض نفسه. جارة تعيش في البناية المقابلة، قررت فجأة وبدون مقدمات أن تغطي نافذتها بـ العَلَم الذي يرمز لهذه "التوجهات الجديدة"، ليحتل المكان ويقتحم خصوصية نظري ونظر كل من له عينان ينظر بهما. لم تكن تلك مجرد قطعة قماش ملونة، بل رسالة تُفرض علينا، تضع كل أب أمام سؤال صعب: كيف نحمي فطرة أطفالنا حين تصبح هذه الأفكار هي التي تملأ الشوارع وتطالبنا بالقبول الصامت؟


وإذا نظرنا لتاريخ هذه الأعلام، سنجد تدرجاً غريباً؛ ففي البداية كان أصحابها يظهرون بمظهر "المنبوذين" الذين يطلبون فقط من الناس مجرد القبول أو التعاطف. ثم انتقلوا للخطوة الثانية، وهي إقناع المجتمع بأن وجودهم أمر طبيعي يجب التعايش معه. أما اليوم، فقد وصلنا للخطوة الثالثة؛ حيث أصبح هذا العَلَم وما يمثله "فرضاً" لا يقبل النقاش، بل ويُعاقب من يعترض عليه. ويبدو أن المخطط يسير نحو خطوة أخيرة، وهي تصوير هذه الأفكار على أنها "الأفضل والأكمل"، وأن كل من يتمسك بالفطرة القديمة هو شخص غريب يجب تهميشه.


هذا المشهد جعلني أتذكر كيف كانت المستشفيات والأماكن العامة هنا تتزين بصور السيدة مريم والسيد المسيح عليهما السلام كرموز للرحمة والمحبة، ثم أزيلت تدريجياً بحجة "الحياد" وعدم مضايقة الآخرين. ولكن، يا للسخرية! نجد اليوم أن هذا "الحياد" قد اختفى؛ فـ العَلَم الذي يرفرف أمام نافذتي يُسمح له باحتلال الشوارع، بل ويحميه القانون، بينما يُعامل الشخص الذي يتمسك بفطرته ودينه كأنه هو المخطئ. كيف أصبح الدفاع عن الطبيعة البشرية يحتاج لتبرير، بينما يُحتفل بما يخالفها كأنه هو التطور الوحيد؟


ولا يمكننا أن نفصل ما نراه اليوم عن خطط أكبر تُدار في الخفاء، تهدف لتقليل عدد البشر وتخريب فكرة العائلة الطبيعية المكونة من أب وأم. والمؤسف أن هذا التخريب لم يقف عند حدود الغرب، بل بدأ يتسلل لبلادنا العربية والإسلامية منذ سنوات طويلة، عبر قوانين مستوردة غريبة عن ديننا وأخلاقنا، تهدف لتفكيك الأسرة وضياع هويتنا. وكل هذا يحدث بالتزامن مع حروب مفتعلة تُقتل فيها الشعوب وتُشرد، في خطة واضحة لضرب الأعداد البشرية من جهة، وهدم القيم والأديان من جهة أخرى.


إن الوقوف في "موقف المتفرج" أمام هذا التدمير للقيم وللشعوب، بحجة أن "الموضوع بعيد عني"، هو في الحقيقة تخلي عن المسؤولية الأخلاقية. نحن لا ندعو هنا لعداوة أو كراهية، بل ندعو لأن نكسر حاجز الصمت؛ فمن يشاهد هدم قيم الله وظلم البشر ويبقى صامتاً، فهو يساهم بضعفه في نجاح هذه المخططات التي تتستر خلف شعارات "الإنسانية" الكاذبة. وكيف نصدق إنسانيتهم ونحن نرى جرائم بشعة ضد الأطفال، مثل قضية "جزيرة إبستين" المشهورة، التي كشفت كيف تتلاعب شخصيات كبرى تتحكم في العالم ببراءة الأطفال خلف الأبواب المغلقة؟ يدٌ ترفع العَلَم لتُدخل هذه الأفكار لمدارس أطفالنا، ويدٌ أخرى تداري جرائمهم الحقيقية ضد الطفولة والإنسانية والتستر خلف الحرية.


أمام كل هذا الزيف، تظل مسؤوليتنا الأولى هي بناء "حصن" داخل نفوس أولادنا. يجب أن نعلمهم أن الله خلق الكون زوجين (ذكر وأنثى) لكي تستمر الحياة، وأن الحق لا يُقاس بكثرة الألوان ولا الشعارات الكاذبة ولا بقوانين البشر التي تتغير كل يوم، بل بما يوافق فطرتنا وديننا. إن الحرية الحقيقية ليست في تقليد كل ما نراه، بل في الشجاعة للثبات على ما خلقنا الله عليه. سأظل أنظر من نافذتي مؤمناً أن الألوان الزائفة مهما لمعت، لن تطفئ نور الحق، وأن بيوتنا هي القلعة الأخيرة التي يجب أن نحمي فيها الفطرة ونرفض فيها الظلم، لكي نضمن مستقبلاً صادقاً لأبنائنا وأجيالنا القادمة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق